سميح دغيم
42
موسوعة مصطلحات صدر الدين الشيرازي
وإذا غلب ذلك على قلبه فهو بعد ناقص محروم ما لم يكن من المتفكّرين وأهل العلم ، فإن كان له مجال في التفكّر وحركة معنوية في الباطن شغّله ذلك عند التجرّد عن مجاربة الشيطان ووساوس الوهم بإبداء الشبهات والشكوك في قلبه حتى يضلّه ذلك عن الطريق ، وإن لم يكن له سير في الباطن وحركة معنوية في الملكوت فلا ينجّيه الأوراد المتواصلة والصلوات المتعاقبة ، بل يحتاج معها إلى تكليف الحضور لقلبه بالأفكار المعنوية ، فإنّ التفكّر في الباطن هو الذي يستغرق القلب ويسخّر النفس دون الأوراد الظاهرة . وربما لم يسلم مع ذلك من الآفات الشاغلة له في بعض الأوقات من الفكر والذكر ضرورية كانت أو غير ضرورية ، كمرض وخوف ، أو إيذاء من مخاصم ، أو طغيان من مخالط لضرورة المعيشة أو اشتغال بمطعم أو ملبس مما يحوجه إلى شغل تولّاه بنفسه ، فإن تيسّر له قطع هذه العلائق ليسلم له أكثر الأوقات ، فيصفو قلبه ، وينشر فكره في عالم الملكوت ، وينكشف له من أسرار اللّه ما لا يقدر على شيء قليل منه جملة الأذكياء المشتغلين بقلوبهم بالدنيا وعلائقها . وهذا أقصى المقامات التي لاختيار العبد مدخلية في أن تنالها بالاكتساب والجهد . ( تفسق ( 6 ) ، 309 ، 18 ) آخر في المشاهدة - إنّه تعالى هو الأول بالإضافة إلى الوجود إذ صدر منه وله الكل على رتبة واحدا بعد واحد . وهو الآخر بالإضافة إلى سير المسافرين إليه فإنهم لا يزالون مترقين من منزل إلى منزل إلى أن يقع الانتهاء إلى تلك الحضرة فيكون ذلك آخر السفر . فهو آخر في المشاهدة ، أول في الوجود . ( جوم ، 148 ، 3 ) آخرة - اعلم أنّ الدنيا من عالم الملك والشهادة ، والآخرة من عالم الملكوت والغيب ، وربما قيل : إن الدنيا عالم المحسوسات والآخرة عالم المعقولات ، وهذا غير سديد عندنا ، وإنّما هو قول جمع من الفلاسفة المنكرين للمعاد الجسماني ، ولوجود الجنّة والنار الجسمانيين ، والأجود أن يقال إن الدنيا عالم الكون والفساد ، والآخرة دار القرار ، أو يقال : إن الدنيا عالم الظلمات ، والآخرة عالم النور ، أو يقال : إن الدنيا عالم الموت ، والآخرة عالم الحياة ، واللّه تعالى هو الذي خلق الموت والحياة وجعل الظلمات والنور ، يعني الدنيا والآخرة . ( سري ، 112 ، 16 ) - الآخرة هي النشأة النوريّة العلمية الباقية ، وهي صورة الجنّة ومنازلها ، إلّا أنها محجوبة عن هذه الحواس لانغمارها في البدن الذي هو أيضا من الدنيا ، فمن عرف نفسه وعرف ربّه تجرّد ذاته عن غشاوة الدنيا وصار من أهل الآخرة ونعيمها ، ومن لم يستكمل ذاته بقوة الإيمان ونور العرفان ، ولم ينتزع صورته عن المادة البدنية ، ولم يتجرّد ذاته عن مقبرة الدنيا وتابوت البدن الذي استحقّ بذاته أن يصير